الشوكاني
15
نيل الأوطار
يربيه . قول : جمعاء بفتح الجيم وسكون الميم بعدها عين مهملة ، قال في القاموس : والجمعاء الناقة المهزولة ، ومن البهائم التي لم يذهب من بدنها شئ انتهى . والمراد ههنا المعنى الآخر . لقوله : هل تحسون فيها من جدعاء . والجدع قطع الأنف أو الاذن أو اليد أو الشفة كما في القاموس . قال : والجدعة محركة ما بقي بعد القطع انتهى . والمعنى : أن البهائم كما أنها تولد سليمة من الجدع كاملة الخلقة ، وإنما يحدث لها نقصان الخلقة بعد الولادة بالجدع ، ونحوه كذلك أولاد الكفار يولدون على الدين الحق الكامل ، وما يعرض لهم من التلبس بالأديان المخالفة له فإنما هو حادث له بعد الولادة بسبب الأبوين ومن يقوم مقامهما . وحديث أبي هريرة فيه دليل على أن أولاد الكفار يحكم لهم عند الولادة بالاسلام ، وأنه إذا وجد الصبي في دار الاسلام دون أبويه كان مسلما ، لأنه إنما صار يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا بسبب أبويه ، فإذا عدما فهو باق على ما ولد عليه وهو الاسلام . قوله : الله أعلم بما كانوا عاملين فيه دليل على أن أحكام أولاد الكفار عند الله إذا ماتوا صغارا غير متعينة ، بل منوطة بعمله الذي كان يعمله لو عاش . وفي حديث ابن مسعود المذكور دليل على أنهم من أهل النار لقوله فيه : النار لهم ولأبيهم ويشكل ذلك على مذهب العدلية لعدم وقوع موجب التعذيب منهم . ( والحاصل ) أن مسألة أطفال الكفار باعتبار أمر الآخرة من المعارك الشديدة لاختلاف الأحاديث فيها ، ولها ذيول مطولة لا يتسع لهم المقام ، وفي الوقف عن الجزم بأحد الامرين سلامة من الوقوع في مضيق لم تدع إليه حاجة ولا ألجأت إليه ضرورة ، وأما باعتبار أحكام الدنيا فقد ثبت في صحيح البخاري في باب أهل الدار من كتاب الجهاد : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن أولاد المشركين هل يقتلون مع آبائهم ؟ فقال : هم منهم . قال في الفتح : أي في الحكم في تلك الحالة ، وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم ، بل المراد إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء إلا بوطئ الذرية ، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز قتلهم انتهى . وأخرج أبو داود : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما بعث إلى ابن أبي الحقيق نهى عن قتل النساء والصبيان ويحمل هذا على أنه لا يجوز قتلهم بطريق القصد . وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر قال : لما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة أتي بامرأة مقتولة فقال : ما كانت هذه تقاتل ، ونهى عن قتل النساء